بالنظر إلى السجل الطويل لتصريحات دونالد ترامب المثيرة للجدل، نجد أن الأمر لم يقتصر يوماً على تصريح عابر، بل جاء ضمن سلسلة من الهجمات التي صنفها خصومه ومحللون سياسيون، وحتى منظمات حقوقية، على أنها تندرج ضمن خطاب "عنصري" أو "تحريضي".
وقد تجلى هذا النهج في أحدث وقائعه الساخنة التي شهدها البيت الأبيض في السادس من شباط/ فبراير 2026، حيث تفجرت أزمة كبرى تداخلت فيها السخرية السياسية الحادة باتهامات العنصرية الفجة.
بدأت القصة حين نشر الرئيس ترامب عبر حسابه الرسمي في منصة "تروث سوشيال" مقطع فيديو قصيراً، مدته اثنتان وستون ثانية، يروج لنظريات المؤامرة حول تزوير انتخابات 2020. غير أن الصدمة الحقيقية لم تكن في مضمون الفيديو السياسي، بل في خاتمته التي تضمنت لقطة مولدة أو معدلة تقنياً، تضع وجهي الرئيس الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما على أجساد "قردة" وسط غابة، مع خلفية موسيقية من فيلم "الأسد الملك". وفيما حاولت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، احتواء الموقف بالدفاع عن المقطع ووصفه بأنه "ميم" ساخر يصور ترامب كملك للغابة والديمقراطيين كشخصيات كرتونية، داعيةً الجميع للتوقف عما وصفته بـ "الغضب المفتعل" والتركيز على اهتمامات الشعب الأمريكي، إلا أن رياح الغضب كانت أقوى من هذه التبريرات.
فقد اضطر البيت الأبيض لاحقاً، في خطوة مفاجئة ونادرة، إلى حذف الفيديو بعد موجة استنكار عارمة اجتاحت الأوساط السياسية، وامتدت لتشمل حلفاء ترامب من داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث كان لافتاً موقف السيناتور الأسود تيم سكوت من ولاية كارولاينا الجنوبية، الذي وصف المحتوى بأنه "أكثر شيء عنصري رآه في حياته". وأمام هذا الضغط، جاء التبرير الرسمي من الإدارة ليوضح أن أحد الموظفين قام بنشر الفيديو عن طريق الخطأ دون مراجعة نهايته الصادمة، وهو ما استدعى حذفه بعد مرور نحو اثنتي عشرة ساعة على النشر.
ومن على متن طائرته الرئاسية، وبنبرته المعهودة، رفض ترامب الاعتذار عن الواقعة، مشيراً إلى أنه أعجب بالجزء الأول من الفيديو ولم يشاهد النهاية، لكنه أردف لاحقاً بأنه يدين العنصرية "بالطبع". ومع ذلك، يرى المراقبون أن هذا الحدث لا يمكن تجاوزه بسهولة، كونه أعاد إلى الأذهان استخدام صورة "القرد" كرمز عنصري تاريخي في أميركا يهدف لتجريد ذوي الأصول الأفريقية من إنسانيتهم. وتشي هذه الواقعة بانقسام عميق داخل الحزب الجمهوري، خاصة مع خروج قادة سود لإدانة محتوى نشره رئيسهم علناً، كما أنها أثارت رعباً حقيقياً من سهولة توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى "عنصري" فائق الواقعية من قبل أعلى سلطة في البلاد. وعلى الرغم من الحذف الفعلي للفيديو لتدارك الفضيحة السياسية، إلا أن هذه الواقعة قد حفرت أثراً عميقاً سيظل حاضراً في قلب السجال الانتخابي المحتدم لعام 2026.





